القائمة الرئيسية

الصفحات

الذكاء الاصطناعي والتنمية والعلاقات الدولية ...


الذكاء الاصطناعي (بالإنجليزية: Artificial Intelligence)‏، وهو سلوك وخصائص معينة تتسم بها البرامج الحاسوبية، تجعلها تحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها. من أهم هذه الخاصيات القدرة على التعلم والاستنتاج ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج في الآلة. إلاّ أنَّ هذا المصطلح جدلي نظراً لعدم توفر تعريف محدد للذكاء.

تعيش الإنسانية على إيقاع التطورات العلمية والتكنولوجية منذ انطلاق الثورة الصناعية الأولى، التى جاءت بدورها كنتيجة منطقية لكل من حركة الاكتشافات الجغرافية الكبرى وعصر فى أوروبا. وقد تزايدت وتيرة تلك » الإصلاح الديني « وما ارتبط به عضوياً من حركة » النهضة « التطورات العلمية وتطبيقاتها العملية فى الآونة الأخيرة بمعدلات متسارعة وغير مسبوقة وانتقلت فى مراحل متتابعة ومتلاحقة حتى وصلنا حالياً إلى ما بات يسمى بحقبة الثورة الصناعية الرابعة.


وقد أحدثت هذه الثورة تغييراً نوعياً ملموساً وعميقاً فى حياة البشر فى البلدان المتقدمة أو البازغة أو النامية على حد سواء بسبب تأثيرها على مختلف جوانب حياتهم حالياً وفى المستقبل، لاسيما فى مجالات الصناعة والخدمات والاتصالات، وكذلك فى مجالات الطب والعلاج والرعاية الصحية والتعليم والبحث العلمى. ولعل من بين الأمثلة الحَرِيّة بالذكر لإيضاح مدى تأثير تلك الثورة فى المجالات التى امتدت إليها: القدرة على استرجاع وترميم الأنسجة الحيوية التى لم تعد قادرة على أداء وظائفها عبر تقنية الخلايا الجذعية، والتفاعل مع واقع الفجوات التكنولوجية فيما بين الأجيال المختلفة وآثاره وتوظيفه فى سياق أعم وأشمل لتعظيم قدرات اكتساب المعرفة، والهندسة الجينية والحيوية التى ساهمت فى استنباط سلالات من البذور أو الثمار ذات الصفات المرغوبة، وطفرات التكنولوجيا المعلوماتية المتوالية، والذكاء الاصطناعى، وعلوم التحكم الآلى والحوسبة، وكيفية التعامل مع البيانات الضخمة ومعالجتها واستغلالها. وعلى صعيد آخر، فمن المؤكد أن تلك الثورة الصناعية الرابعة ستعيد رسم الخريطة العالمية لتوزيع مصادر الثروة والدخل ووسائل الإنتاج وأدواته، بل وستعيد تعريف مفهوم مركزى فى المجتمع، بل وفى بمكوناته ومحدداته » العمل « الحياة، ألا وهو ومعاييره الأساسية والفرعية. وكنتيجة لذلك، سيكون هناك رابحون وخاسرون. ومن المؤكد أيضاً أن هذه الثورة سوف تطرق أبواب مختلف المجتمعات البشرية، ليس فقط من الجوانب الاقتصادية، إنما من الجوانب الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية على حد سواء، بل ومن الجوانب الأمنيةوالإستراتيجية أيضاً. ومن بين معطيات ومفردات الثورة الصناعية الرابعة، يبرز الذى » الذكاء الاصطناعي « مفهوم يُستخدم عا لوصف أنظمة الحاسب الآلى التى تعرض قدرات معينة ومتميزة ظلت مرتبطة بشكل أساسى بالذكاء البشرى، مثل الإدراك والفهم والتعلم والمنطق وحل المشاكل. وتُعد خدمات محرك البحث جوجل وسيرى وأليكسا والسيارات ذاتية التشغيل ومنظِّمات الحرارة الذكية مجرد أمثلة لبعض أنواع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى التى بدأت فى تغيير واقع الحياة اليومية للبشر وللمجتمعات الإنسانية بشكل عام، وفى البلدان الصناعية المتقدمة بصورة خاصة. وبفضل النظم الذكاء « ذاتية التشغيل، أصبحت تكنولوجيا قادرة أيضاً على أداء العديد » الاصطناعي من المهام الإدارية التى كانت تتطلب وقتاً طويلاً من العاملين، وكذلك على إنجاز المهام بوتيرة أسرع وجودة أعلى وتكلفة اكسنتشر للأداء « أقل. وتتوقع دراسة لمعهد الذى يهتم بالنظرة المستقبلية ،» الرفيع لقطاع الأعمال، أنه يمكن من خلال توظيف أمثل لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعى أن يتضاعف المعدل السنوى للنمو الاقتصادى فى البلدان الصناعية المتقدمة بحلول عام 2035 وذلك بناء على دراسة تعتمد على نماذج اثنتى عشرة دولة متقدمة. لكن مثل ذلك التأثير الإيجابى المتوقع على معدلات النمو الاقتصادى سيجلب معه أيضاً تغييرات غير مسبوقة وقائمة على التكنولوجيا لاقتصاديات الدول النامية والأقل نمواً، من خلال التعامل مع عدد من التحديات الحيوية التى تواجه تلك البلدان. فلقد فاق أداء نظم الحاسب الآلى أداء البشر فى العديد من المهام التى تؤثر فى الحياة

اليومية للأفراد والمجتمعات فى مجالات مثل النقل والاتصالات والطاقة والتمويل والرعاية الصحية والتعليم والبحث العلمى، فضلاً عن موضوعات أكثر حيوية مثل الدفاع والأمن؛ بل إن تلك التكنولوجيا باتت تتطور بوتيرة متسارعة تعجز عن مواكبتها التطورات التى يجرى إدخالها على التشريعات القانونية. وبالتالى، لم الحاسب « يعد من قبيل المبالغة القول بأن الآلى وغيره من الأجهزة الرقمية المتطورة تفعل للقوة الذهنية.. ما فعله محرك البخار حسبما » إبان الثورة الصناعية للقوة البدنية ورد فى تقرير لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

فعلى غرار ما نتج عن الثورة الصناعية الأولى، سوف يعيد الذكاء الاصطناعى تحديد شكل العلاقة بين رأس المال واليد العاملة فى العالم على أسس جديدة، وإن بدرجات متفاوتة فى البلدان المتقدمة والبلدان النامية والأقل نمواً. فهناك صلة وثيقة، بل وعضوية، بين المكاسب الاقتصادية المترتبة على استخدام الروبوت أو ما يُسمى مجازاً الإنسان الآلى وبين استبدال جزء من القوة العاملة. ففى حين أن المكاسب الإنتاجية والاقتصادية التى يحققها الروبوت ستساعد الشركات على المحافظة على قدرتها التنافسية وعلى توفير العديد من الوظائف الأعلى أجراً فى بعض البلدان المتقدمة، فإن قياس المنافع الاقتصادية المترتبة على استخدامها بدقة لا يزال يشكل تحدياً، خاصة فى مواجهة الآثار الاجتماعية لاستخدام الروبوت والتى من المتوقع أن تكون أكثر سلبية.  

إذ يمكنلتكنولوجيا الذكاء الاصطناعى أن تقود إلى حدوث ثورة جديدة من شأنها أن تؤدى إلى انخفاض حاد فى الطلب على اليد العاملة الأمر الذى قد يعمل على خلخلة العقود الاجتماعية القائمة. وإذا كانت البلدان الأكثر ثراءً، والفئات الأعلى مهارة داخل هذه البلدان، هى المرشحة للاستفادة بشكل أكبر من تلك التحولات؛ فقد تجد البلدان النامية والأقل نمواً، لاسيما الفئات الأشد فقراً فيها، أنه لا سبيل لديها فى كثير من الأحيان، حتى قبل دخول التطورات السابقة إلى حيز الواقع، كى تحصل على التكنولوجيا الأكثر تقدماً أو المهارات المطلوبة أو الوصول للبيئة المواتية التى تمكنها من الاستفادة من تلك التكنولوجيا، بينما تتحمل نفس تلك الفئات فى ذات الوقت القسط الأوفر من المخاطر الناتجة عن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا. لكن ثمة خطر جوهرى يتمثل فى تفاقم أوجه عدم المساواة، سواء فيما بين البلدان المختلفة أو حتى داخل كل بلد. كما أنه من المتوقع أن تشهد البلدان النامية، التى تتخذ من برامج التنمية كثيفة العمالة القائمة على التركيز على قطاع التصدير مساراً للتخلص من الفقر، المزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة مثل التفاوت فى الدخول والثروات. وللتدليل على ذلك، أشار تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية عام 2016 إلى أن 9 % من الوظائف فى الدول أعضاء المنظمة يمكن تنفيذها آلياً وهى دول تُعد فى مجملها صناعية متقدمة. وعلى الجانب الآخر، يمثل هذا الأمر إشكالية خاصة للبلدان ذات الدخل المنخفض،والتى يمثل الشباب الغالبية العظمى من سكانها، وينطبق ذلك على الغالبية العظمى من البلدان الأفريقية والعربية، والتى تحتاج إلى تو فرص العمل بمعدلات متسارعة وبصورة مستمرة، لاستيعاب معدلات البطالة المرتفعة أصلاً ولاستيعاب الأعداد المتزايدة كل عام للقادمين لسوق العمل من الشباب. ولا بد هنا من إضافة حول أحد التحديات التى يفرضها التنامى والتداخل المتزايدان لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعى فى مناحى الحياة فى الدول النامية والمتقدمة على حد سواء. فمثل ذلك التنامى والتداخل والوتيرة التى يتخذانها ينبغى أن تسترعى اهتمام كل القائمين على العمليات التعليمية بمختلف مراحلها لأنها باتت تتعلق بكيفية صياغة سياسات ومناهج التعليم. فإذا كان استمرار تحصيل العلم والمعرفة كأحد أهداف التعليم سيظل قائماً فإن الهدف الآخر وهو إعداد المتعلمين للانخراط فى سوق العمل يحتاج إلى جهود مبتكرة لتطوير ذلك الإعداد من حيث المناهج ومحتواها وقابليتها للتطوير ليواكب ما هو متوقع من متطلبات متغيرة على جانب سوق العمل. بل إن الأمر قد يستدعى التفكير فى أن تكون مؤسسات التعليم ذاتها منفتحة وفى علاقة مستمرة لا تنتهى بمجرد حصول الخريج على مؤهل بعينه بحيث يمكنه العودة مرة أو مرات أخرى لإكساب نفسه مهارات جديدة توائم الوظائف أو المهن المُستحدثة.


 إن الواقع على مدار العقود القليلة الماضية ينبيء بأن البشرية قد دخلت بالفعل مرحلة يسهم فيها التغيير الهائل الذى تحدثه التكنولوجيا فى التغلب على العديد من التحديات، بما فيها تلك التحديات التى تواج اقتصاديات الدول النامية وتلك الأقل نمواً. وبقدر ما قد يُفترض من تأثير سلبى للذكاء الاصطناعى على اقتصاديات البلدان النامية فإنه يمكن أيضاً أن يكون لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعى، على وجه الخصوص، العديد من الآثار الإنمائية المهمة والمؤثرة. إلا أنه لا بد من التنويه إلى استمرار وجود عدد من العقبات أمام تطبيق هذه التكنولوجيا ومن بينها أن البنية التحتية المتوفرة لدى الدول النامية ليست قادرة بالضرورة على تحقيق التكامل بين جميع أنواع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى. ومن ثمَّ، يجب إيلاء أولوية قصوى لبناء البنية الأساسية المطلوبة والملائمة فى البلدان النامية وتلك الأقل نمواً لإدماج بعض أنواع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى ولتطوير الجيل القادم منها حتى يتسنى استخدام الذكاء الاصطناعى بشكل إيجابى اقتصادياً واجتماعياً فى تلك الدول. ولعل من أبرز مجالات الاستفادة الممكنة للبلدان النامية بشكل عام من الذكاء الاصطناعى، على سبيل المثال لا الحصر، قطاعات لها دلالاتها وتأثيرها المباشر وغير المباشر مثل: إمكانية زيادة محصول الأراضى الزراعية فى البلدان النامية وتلك الأقل نمواً وتوفير أساليب فعالة لمواجهة انتشار الأمراض وعلاجها. ولا شك أن مثل هذه التطبيقات ذات الفائدة لن تتأتى دون تكلفة اجتماعية، الأمر الذى يستوجب الاستعداد اللازم من الدول النامية للآثار السلبية المحتملة سواءً على صعيد إعادة تأهيل العاملين من الفئات غير المُدربة مثلاً لإدماجهم فى وظائف جديدة الأمر الذى ينطوى فى حد ذاته على صعوبات جمة فى ظل عدم كفاية البنية الأساسية للتعليم والتدريب فى الكثير من الدول النامية. كما يُضفى الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعى أهمية خاصة على مفهوم حيوى وأساسى فى العلاقات الذى » نقل التكنولوجيا « الدولية، ألا وهو يمثل محور التماس بين موضوع الذكاء الاصطناعى ذى الأهمية المتصاعدة لجهود التنمية فى الدول النامية وبين مؤسساتها الرسمية القائمة على العمل الدبلوماسى، وفى المقدمة منها مصر. وقد ومن ،» نقل التكنولوجيا « تعرض مفهوم وجهة نظر مصالح الدول النامية، لانتكاسة تمثلت فى تعثر ثم فض المفاوضات الدولية التى دارت لسنوات فى إطار مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية للتوصل إلى اتفاق حول مدونة قواعد سلوك دولية لنقل التكنولوجيا. ورغم ما تقدم، يجدر التنويه إلى أن مطلب نقل التكنولوجيا يظل مطروحاً من جانب البلدان النامية فى إطار العديد من المنظمات الدولية ذات العضوية العالمية وفى مقدمتها الأمم المتحدة وأجهزتها؛ فضلاً عن طرح الموضوع بقوة على جدول أعمال وكالات دولية متخصصة فى سياق منظومة الأمم المتحدة مثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم )اليونسكو( والمنظمة العالمية للملكية الفكرية )الوايبو(. وهنا، من جديد، تبرز أهمية القدرات المختلفة للكوادر الدبلوماسية كعنصر من عناصر القوة الناعمة لكل دولة ومنظمة إقليمية أو شبه إقليمية، وكذلك للكوادر الدبلوماسية العاملة فى الأمانات العامة لتلك الوكالات الدولية المتخصصة. فى ضوء ما سبق، لا يبدو مُستغرباً إذن أن يتسع مجال البحث لاستقراء التحديات التى يمثلها الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعى فى سياق أشمل وهو العلاقات الدولية. 


وفى هذا السياق، ترصد دراسة صادرة عن المعهد الملكى للعلاقات الأدوار » تشاتهام هاوس « الدولية فى لندن الممكنة للذكاء الاصطناعى فى مجال العلاقات الدولية من خلال دراسة تأثيره فى مستقبل الحروب والأمن الإنسانى والاقتصاد؛ فضلاً عن التنويه إلى ما بات متداولاً عن استغلال للذكاء الاصطناعى فى حملات دعائية من شأنها التأثير على العمليات الديمقراطية. وهذه إشارة إلى تلك الاستخدامات التى توصف عادة بأنها مُغرضة لأنها تسعى إلى استغلال البيانات المتاحة عن الأفراد من خلال وسائل التواصل الاجتماعى على سبيل المثال لتوجيه رسائل تسهم فى توجيه هؤلاء الأفراد على نحو معين؛ فبناءً على ما يتم جمعه من معلومات عن الناخبين يتم من خلال برمجيات الذكاء الاصطناعى التعامل مع هذه المعلومات لتصنيف الناخبين ثم صياغة رسائل موجهة ومتناسبة بهدف التأثير على أسلوب التصويت فى المناسبات الانتخابية وهو ما يمكن أن يفتح الباب للقدح فى سلامة العمليات الديمقراطية. وترسم دراسة المعهد الملكى للعلاقات الدولية إطاراً يتوخى ثلاثة أنواع من الأدوار للذكاء الاصطناعى فى سياق العلاقات الدولية أولها هي: الأدوار التحليلية التى تشمل التعامل مع كميات ضخمة من المعلومات، وهى أدوار من شأنها تغيير أسلوب رؤية صناع القرار للعالم؛ وثانيها هى الأدوار فى مجال التنبؤ حيث يمكن للذكاء الاصطناعى الانخراط فى نماذج معقدة للمفاوضات مثلاً مع وجود بعض التحفظات على دقة تلك التنبؤات حتى الآن.